ابن تيميه

192

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

هذا ، والمسجد الأقصى » . ومعلوم أن سائر المساجد يستحبّ إتيانها بلا سفر ، فهذا الفرق ثابت بنص الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . فإن قيل : ما رحل إليه هؤلاء المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم . قيل له : ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه . فزيارة القبور بالرحلة كالصلاة في غير المساجد الثلاثة ، فالرحلة ليست بقربة ولا طاعة ، بل معصية محرمة عند الأئمة الذين صرّحوا بذلك ومن وافقهم . وأما نقل الخطا إلى المساجد ، فهو إتيان إليها بغير سفر ، وهذا مشروع ، فهو نظير نقل النبي صلى اللّه عليه وسلّم خطاه إلى زيارة أهل البقيع فإن ذلك عمل صالح ، وكذلك الزيارة المستحبة من البلد نقل الخطا فيها عمل صالح . فقد تبين أنه لا مناقضة في ذلك ، ولو قدّر أن هذا تناقض كان تناقضا ممن قال ذلك ؛ مثل مالك وجمهور أصحابه ، ومثل من قاله من أصحاب الشافعي وأحمد ، فإن المجيب ذكر القولين . فإن كان هنا عوار وشنار في القول بالتحريم كان هذا لازما لمالك الإمام ومن وافقه ، وحاشى للّه أن يلزم مالكا ومن وافقه تناقض فيها . في هذا وهم متّبعون لسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . لكن هذا المعترض الجاهل تارة يجعل قول المتبعين للسنة كمالك وغيره تناقضا ، وتارة يجعله مجاهرة للأنبياء بالعداوة وإظهارا لعنادهم ، وهو يضيف ذلك إلى المجيب ، والمجيب لم يقل إلا ما قاله هؤلاء ، بل حكى قولهم وقول غيرهم وذكر حجّة القولين بخلاف مالك وأتباعه فإنهم جزموا بالتحريم ولم يلتفتوا إلى قول من حمل الحديث على نفي الاستحباب ؛ لظهور فساد هذا القول وتناقضه . وأيضا فهذا الذي ذكره إنما يتصوّر في زيارة غير قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم كأهل البقيع وشهداء أحد وسائر المؤمنين المدفونين في بلادهم . ومع هذا ما علمنا أحدا أنه قال يستحبّ السفر لمجرّد هذه الزيارة ، بل إما أن يكون محرّما وإما أن يكون مباحا ، وإن كانت الزيارة من البلد مستحبة ، وأما نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلّم فله شأن آخر ؛ فضّله اللّه على غيره ، فإن اللّه أمرنا بالصلاة والسلام مطلقا وأن تطلب له الوسيلة . ومحبته وتعظيمه فرض على كل أحد بل فرض على كل أحد أن يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده ، وهو أولى بكل مؤمن من نفسه ، فحقوقه وشريعته إيجابا واستحبابا لا يختص ببقعة ، بل هي مشروعة في جميع البقاع ، لا فرق في ذلك بين أهل المدينة وغيرهم . وقد نهى أن يتّخذ قبره عيدا ، وقال : « صلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » . وقال في السلام مثل ذلك ، وأخبر أن « للّه ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام » . وهو قد حيل بين قبره وبين الناس ومنعوا من الوصول إليه ، إذ لم يكن داخل الحجرة عبادة مستحبة هناك دون المسجد ، بل كل ما يفعل هناك ففعله في المسجد أفضل من صلاة